الرمان يروّج لتستور : فاكهة تصنع السياحة والتجارة

 1 ديسمبر 2025

 

في الطريق إلى مدينة تستور، تتبدّى لوحة طبيعية نابضة بالحياة، تصطف على جانبيها أشجار الرمانالتي تزدان بثمارها الحمراء، في انسجامٍ آسرٍ مع خضرة المكان وهدوئه الريفي. على طول الطريق،يتعالى نداء الباعة يدعون المارّة إلى التوقف لتذوّق “الثمرة الساحرة”، التي تُعدّ في نظر البعض رمزاًللخصب والقداسة. ومع الاقتراب من مدخل المدينة، يتلاشى سكون الطريق لتملأ المكان […]

 


في الطريق إلى مدينة تستور، تتبدّى لوحة طبيعية نابضة بالحياة، تصطف على جانبيها أشجار الرمان التي تزدان بثمارها الحمراء، في انسجامٍ آسرٍ مع خضرة المكان وهدوئه الريفي. على طول الطريق، يتعالى نداء الباعة يدعون المارّة إلى التوقف لتذوّق “الثمرة الساحرة”، التي تُعدّ في نظر البعض رمزاً للخصب والقداسة. ومع الاقتراب من مدخل المدينة، يتلاشى سكون الطريق لتملأ المكان أصوات الزوار الذين توافدوا بالمئات للمشاركة في فعاليات مهرجان الرمان بتستور في دورته التاسعة. نُصبت الخيام في المدينة خلال الفترة الممتدة من 29 أكتوبر إلى 2 نوفمبر، وامتلأت أروقتها بمنتوجات متنوّعة تراوحت بين الصناعات التقليدية والخزف والمنتجات المشتقة من الرمان مثل المربّى والعصير وحتى المثلجات. ووفقاً لمعطيات المجمع المهني المشترك للغلال، تبلغ المساحات المزروعة بالرمان في تونس حوالي 12.3 ألف هكتار، فيما يُقدَّر إنتاج الموسم الحالي بنحو 91 ألف طن، مقابل 102.9 ألف طن خلال الموسم الماضي. وتمتد زراعة تلك الثمرة على مساحة 1450 هكتارًا في تستور، ما جعلها تنفرد بإنتاج قرابة 12 ألف طن سنويًا من الرمان، من إجمالي 70 ألف طن وهي حصيلة الإنتاج التونسي. وأكد عبد الرحمان حمدي، أحد منتجي الرمان بتستور، أنّ “الجهة تُعتبر من بين أبرز الجهات في إنتاج الرمان”، ويُمكّن المهرجان المنتجين من التسويق لمنتجاتهم مباشرة للزوار، ما يرفع من قيمة المبيعات والعائدات.


انتعاش اقتصادي وروح احتفالية

في السوق، تنبض الأزقة بحركية استثنائية تُشبه تشبه الحركية يوم العيد. الباعة يرصّون أكوام الرمان في هرمٍ من الألوان، كل يتفنن في طريقة عرضها على واجهات محلاتهم وعرباتهم الصغيرة، قشوره الحمراء والوردية تتلألأ تحت ضوء الصباح، فيما تتعالى نداءاتهم لجذب الزائرين، ورائحة دبس الرمان والعصير الطازج تمتزج بعبق الحلويات التقليدية الخاصة بالجهة. وفرق الفنون الشعبية تعزف في الخلفية نغمات أندلسية، فتتمايل الحشود بخفة، ويغدو السوق ساحة احتفال مفتوح، حيث تختلط الحركة بالصوت، والتجارة بالفرح، وتتحول تستور إلى لوحة حيّة تنبض بالحياة. فالمهرجان ليس فرصة لسكان الجهة لبيع الرمان فقط، بل تشهد الحركة التجارية هناك نشاطا كبيرا، خصوصا وأنّ الزوار يستغلون المهرجان للتعرّف إلى عادات وتقاليد الجهة ليقبلوا على شراء أهم ما تتميّز به الجهة لا سيما من مواد غذائية.

.     .     
                                                                                       بائعة معجنات في تستور                                     إزدحام على خيام المنتوجات                                       دليلة الدباسي صاحبة
                                                                                                                                                                                                                                                             محل للمنتجات المحلّية


وقد صرّح الناطق الرسمي باسم جمعية مهرجان الرمان رابح عكاز “أنّ عدد الزوار قُدّر بنحو 300 ألف زائر. لذلك تشهد المدينة حركة تجارية يقبل فيها الوافدون لا على شراء الرمان فقط بل على شراء الحليب ومشتقاته خصوصا الأجبان نظرا لتميز ولاية باجة بانتاج عدّة أنواع من الأجبان.
لذلك شهدت تستور خلال أيام المهرجان حركية اقتصادية لافتة، خصوصاً في المحلات التي تبيع المأكولات الأندلسية التقليدية مثل السفنج، وهو عجين مقلي يُقدَّم كتحلية، والمسمن الأندلسي المغمور في العسل والمزيّن بالجلجلان. تهافت الزوار على تلك الأكلات الشعبية التي تُعدّ جزءاً من هوية المدينة، وازدحمت الأزقة بروّادٍ يتنقلون بين الأكشاك والمقاهي، ما أضفى على المكان حيويةً تجارية غير مألوفة في الأيام العادية. تضاعفت مداخيل العديد من الباعة خلال هذه الفترة، إذ يصف أحدهم المهرجان بأنه “الأسبوع ذهبي”، قائلاً: “الإقبال كبير من الزوار، ونبيع يوميا كميات تفوق ما نبيعه في شهر كامل.” تقول إحدى البائعات: إنّ “المهرجان يُنعش الحركة الاقتصادية في المدينة، لكن خمسة أيام غير كافية. نتمنى تمديد الفترة، فالصيف يشهد ركوداً كبيراً يدفع بعض التجار إلى تسريح العمّال لعدم قدرتهم على تغطية المصاريف.”

ثمرة الرمان من البساتين إلى الصناعات التحويلية

تقول بشرى خلفة، صاحبة مشروع “بينوكيو” المختصّ في إنتاج مثلجات الرمان، إنها شاركت في المهرجان لأول مرة قبل ثلاث سنوات بفكرة بسيطة تحوّلت إلى مشروع ناجح. تشرح بشرى أنّ منتوجها في هذه الدورة يتميّز بكونه خالياً من السكر المضاف، إذ تُعصر ثمار الرمان التستوري ذات المذاق الحلو لتُحوَّل إلى مثلجات طبيعية منعشة وصحية. وتُضيف: “كان المهرجان بمثابة الانطلاقة الحقيقية لمشروعي. بفضله فتحت محلاً عند مدخل المدينة، وشاركت في معارض عديدة داخل تونس.”
تضيف “أتمكن سنويا من عرض منتوجاتي في المهرجان مما يشكّل فرقا في نسب عائداتي السنوية” أما دليلة الدباسي، صاحبة محل للمنتجات المحلّية، فتستعيد بداياتها مع عصير الرمان قائلة: “كنت أول من استخرج عصير الرمان منذ تسع سنوات. كان ذلك حين أراد رئيس جمعية صيانة مدينة تستور آن ذاك السيد رشيد السويسي تجربة منتوج جديد، فبادرت بعصر الرمان وقدّمته. أعجب به الجميع، ومنذ ذلك الوقت بدأنا في إنتاج المربّى والعصير وبيعهما في المحل. ونجاح المنتوجين ألهم بقية التجار فأصبح الرمان في تستور ليس مجرّد ثمرة بل موردا اقتصاديا وثقافيا ومحركا سياحيا.
 



تجربة ثقافية وسياحية

في ساحة المدينة، جلست أمل سعيداني، شابة في الواحدة والعشرين من عمرها، تستمع إلى أنغام فرقة تستور للمالوف والإنشاد التراثي بقيادة بدر الدين جبيس. تقول: “أعجبت بالتنظيم والأجواء والمنتوجات والأسعار المعقولة. تستور مدينة جميلة تجمع بين الهدوء والطابع الأندلسي، وهي وجهة مثالية للاسترخاء وتذوّق أطيب المأكولات والأجبان.” ويضيف صديقها الذي رافقها: “منتجات الألبان في تستور من أجود ما تذوقت في تونس، وأنصح الجميع بتجربتها.”

اختتمت تستور دورتها التاسعة من مهرجان الرمان بمزيجٍ من العروض الموسيقية والمحاضرات العلمية والنشاطات التفاعلية، التي جعلت منه وجهة مميزة للزوار من مختلف الأعمار. ومع تزامنه مع العطلة المدرسية، تحوّل المهرجان إلى مناسبة عائلية بامتياز، أتاح للآباء تعريف أبنائهم بتاريخ المدينة الأندلسية العريق، و بكنوزها الحمراء التي لا تزال تروي قصة المكان والذاكرة.

فاطمه بن فرج