العيش على حافة النزف الدائم

مرض عدم تخثّر الدم
خطواته محسوبة، وكل حركةٍ منه تخضع لحذرٍ ورقابة شديدة من الأهل. فالألم يسكن مفاصله دوما، يذكّره كلّ مرة بأنّ ممارسة أي لعبة صغيرة قد تتحول إلى نزف خطر. ففي عروقه يسكن مرض خفيّ اسمه الهيموفيليا، يجعل من أبسط الجراح نزيفا لا يتوقف، ومن اللعب مغامرة محفوفة بالخطر.
زكريا ذاك الطفل البالغ من العمر 11 سنة لا يعيش منذ ولادته كبقية الأطفال. “كلّ شيء ممنوع، لا يعرف معنى الركض وراء كرة أو لعب الأرجوحة أو حتى الركض في ساحة المدرسة. عليه أن يمشي بحذر شديد والحال أنّه قد يتعرّض إلى نزيف حتى خلال نومه”. وفق ما تشير إليه والدته.
تضيف شادية خلال حديثها عن مرض ابنها ” نعم زكريا قد يتعرّض إلى نزيف حتى خلال نومه. فأيّ حركة قد تتسبب في نزيف داخلي لا يشعر بآلامه سوى خلال الاستيقاظ. فمرضه لا يعني أنّه يتعرّض إلى نزيف لمجرد إصابته جراء سقوطه أو تعثرّه. قد يتعرّض إلى نزيف داخلي دون أيّ سبب”.
ويعدّ الهيموفيليا اضطرابا وراثيا ينتقل من الآباء إلى الأبناء، نتيجة نقص عوامل التخثّر. إذ تساعد عوامل التخثر على تكوين الجلطات لإيقاف النزيف. لكنّ الأشخاص المصابون بالهيموفيليا لديهم مستويات منخفضة من عامل التخثر الثامن (الهيموفيليا أ) أو التاسع (الهيموفيليا ب). ولا يوجد علاج شاف للهيموفيليا، بل يعيش المرضى باستعمال دواء مزمن. ويمكن للعلاج أن يساعد فقط في التحكم في النزيف ومنع المضاعفات الخطيرة. وتعتمد شدّة المرض خفيف، متوسط، أو شديد على كمّية عامل التخثر الموجود في الدم. وذلك وفق منظمة الصحة العاملية.
“يحتاج المرضى حقن العامل الذي ينقصهم وهو المسؤول عن تخثّر الدم”
وقد أشارت شادية عروة رئيسة جميعة مرضى الهيموفيليا إلى أنّ “عدد المصابين بهذه المرض في العالم يبلغ حوالي 460 ألف مريض تخثّر الدم بصفة عامّة، والهيموفيليا هو نوع من أنواع أمراض تخثّر الدم. أما في تونس فيبلغ عددهم 1380 مريضا من بينهم 635 مريض هيموفيليا والبقية مصابون بأمراض أخرى لتخثّر الدم، حسب احصائيات سنة 2024 التي قامت بها الجمعية التونسية للمرضى الهيموفيليا بالتعاون مع أقسام أمراض الدم في المستشفيات تونس وسوسة وصفاقس وجربة.
وتضيف محدّثتنا ” يحتاج المرضى حقن العامل الذي ينقصهم وهو المسؤول عن تخثّر الدم. وقبل ثلاثون سنة كان يتمّ التبرّع بالدم من قبل الناس ثم تقع تصفيته من الكريات الحمراء، وحقن الكريات البيضاء لمرضى الهيموفيليا. ويبقى المريض مقيما في المستشفى 12 ساعة للحصول على علاجه الكامل. ولكن هذا الإجراء كان يتسبب في الكثير من المشاكل من بينها عدم إيجاد متبرعين بالدم، إضافة إلى إمكانية الإصابة بعدّة أمراض منقولة بالدم على غرار السيدا. والعلاج الآن بات يعتمد فقط على حقن العامل المسؤول على تخثّر الدم الذي يحتاجه كلّ مريض”.

يعيش مرضى الهيموفيليا على حافة النزيف الدائم
ويعيش مرضى الهيموفيليا على حافة النزيف الدائم، خصوصا في حال فقدان الأدوية اللازمة. إذ لم يعد الدواء مجرد وصفة طبية تُصرف، بل تحول إلى شريان حياة ثانٍ، أكسجين سائل يُضخ في العروق كل سبع ساعات. وكل يومٍ يمر دون جرعة تعويضية هو يوم محفوف بالمخاطر. فكل مريض يتعرّض إلى نزيف داخلي يجب أن يحقن جرعة من الدواء لتخثر الدم ووقف النزيف. وأي خدش بسيط دون الحصول على الدواء قد يتحوّل إلى طوفان دموي لا يتوقف. إذ تؤكد شادية عروة أنّ ” الدواء يعدّ بالنسبة لمرضى الهيموفيليا أوكسجين لا يمكن الاستغناء عنه البتّة. فعامل التخثّر يجب أن يُوجد في جسدهم لذا لا بد أن يتوفر الدواء بطريقة لا يجب أن تنقطع، وبطريقة عادلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ولكن هذا غير موجود حاليا لأنّ عدّة جهات لا يتوفر فيها الأدوية الخاصة بمرضى الهيموفيليا”.
فيما يتعلّق بمنظومة العلاج أكدت رئيس الجمعية وجود مراكز كبرى لعلاج مرضى الهيموفيا وهي عزيزة عثمانة في تونس والهادي شاكر في صفاقس وفرحاة حشاد في سوسة. وفي كلّ مركز يوجد مختص الدم في قسم الهيموفيليا يحرص على الحصول على الكميات الكافية من الأدوية لجميع المرضى الذين يتوافدون على قسم الدم بتلك المراكز. لذا في بقية الجهات يضطر المرضى إلى التنقل نحو تلك المراكز للحصول على الأدوية، من القصرين والقيروان وعدّة جهات، حتى أنّ بعضهم لا يملكون الإمكانيات اللازمة للتنقل إلى سوسة وصفاقس أو العاصمة أو المناطق الأخرى التي يوجد فيها مراكز علاج هذا المرض. مع إمكانية عدم إيجاد الأدوية حتى في تلك المراكز في عدّة مناسبات. وقد تلقت الجمعية عدّة إشعارات من المرضى أو عائلاتهم عن عدم إيجاد الأدوية مما اضطر بعضهم إلى التنقل للمستشفيات لإيقاف النزيف”.
وقد أكدت أنّها راسلت وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لحلّ مشكل عدم توفر الأدوية. لا سيما للفتيات المصابات بهذا المرض ويتعرّضن إلى نزيف خلال الدورة الشهرية.
تكلفة الدواء باهظة
وتشير شادية عروة إلى أنّ الدواء مكلف للغاية لكن الدولة تتكفل بتوفيره للمرضى. تقول “ابني عمره 11 سنة يحقن الدواء مرة كلّ سبع ساعات. وتبلغ تكلفة الدواء في الأسبوع ما يقارب 750 دينار يعني قد تصل تكلفة الدواء شهريا حوالي 2300 دينار. والدواء الذي يستعمله ابنها ليس أحسن دواء، بل يوجد دواء آخر يحمي أفضل من الأوجاع ولكن تكلفته الشهرية تبلغ قرابة 60 ألف دينار لذا لا تستطيع الدولة توفيره”.
ولكن كلّ مريض لديه عامل مقاوم للتجلّط تلجأ الدولة إلى توفير الدواء الباهظ. وقد طالبت الجمعية منذ خمس سنوات بإحداث لجنة علمية طبية في وزارة الصحة خاصة بالهيموفيليا، تتكونّ من أطباء المراكز الثلاث والأطباء في الكنام ومن مختصين في وزارة الصحة للقيام بالتفاوض حول الأدوية لتحسين وضعية علاج الهيموفيليا في تونس، وإمكانية اقتناء الدواء الذي بات يُستعمل في عدّة دول ويخفف الآلام أكثر.
الخوف من النزف الدائم
مروان شاب مريض بالهيموفيليا منذ أكثر من 25 سنة، يقول إنّه “لم يعش طفولته كبقية أترابه، تُقيّده جملة من المحظورات والممنوعات. لا يذكر أنّه شارك في لعبة كرة القدم مع أبناء حيه، ولا سابق الريح ركضا، مخافة السقوط والتعرّض لأيّ إصابة ينجر عنها نزيف حاد. عدا الآلام المستمرة التي تسكنه نتيجة حدوث نزيف داخلي دون أيّ سبب. وما يزيد الوضع سوء هو فقدان الأدوية في عدّة مناسبات، مما يضطره اللجوء إلى قسم الدم لإيقاف النزيف، أو سيتعرّض إلى مضاعفات تجبره على الحصول على دم”.
يضيف مروان ” أذكر وأنني تعرّضت إلى نزيف حاد كاد أن يؤدي بحياتي بسبب إصابتي خلال حادث مرور، مما خلّف لي جملة من الأضرار ونزف دام أكثر من يوم بسبب كثرة الجروح التي تعرّضت لها. ومنذ ذلك الوقت بتّ أكثر حذرا من حصول نزف دائم”.
هكذا يعيش مرضى الهيموفيليا، كل سقوط محتمل يعني معركة مع الألم ومواجهة نزيف خطر. وتبقى قوتهم في قدرتهم على التكيّف، والعيش رغم عدة محظورات وخطوط حمراء. لكن يبقى فقدان الدواء ليس مجرّد أزمة علاج بل مسألة نزيف لا يتوقف.
مريم الناصري